السيد محمد الصدر

473

تاريخ الغيبة الصغرى

تسميه التوراة أو طالوت كما يسميه القرآن . وقد جاء إلى الحكم بطلب من بني إسرائيل أنفسهم ، حيث طلبوا من صموئيل أن يعين لهم ملكا ، فعين لهم اللّه تعالى عن طريق نبيه هذا الرجل . وهذا ما يرويه التوراة والقرآن معا . وبالرغم من جهته الايمانية وأهميته ، لم يكن يخلو - كما تدل عليه التوراة - من بعض الانحرافات ، وأهمها منافرته لداود عليه السلام ، ومطاردته لأجل القبض عليه وقتله . وكان يومئذ شابا مؤمنا متنافيا في الايمان . وقد تولى هو الملك بعد شاءول ، فكانت دولته نبوية مرة أخرى ، وخلفه ولده النبي سليمان عليه السلام . وبوفاته انفصل الحكم عن النبوة مرة أخرى . وملك اليهود جماعة من الملوك على مستوى يكاد يكون دنيويا محضا ، على حين بقيت النبوة في الشعب في جماعات من المؤمنين الملهمين الواعظين على نطاق ضيق في الأغلب ، يكادون يمثلون النبوة القبلية مرة أخرى في التاريخ . ولعل العنصر الأهم في ضيق نطاق هذه النبوات ، هو بعد الشعب عنهم وانغماسه في اللذائذ والمصالح الخاصة ، وعصيان الملوك لهم ، إلى حد لم يبق للأنبياء تأثير واضح على المجتمع الذي كان مؤمنا في تاريخه القديم . واستمر الحال على ذلك إلى الفتح البابلي ، الذي اعتبرته التوراة عقابا لليهود على مظالمهم وفسادهم . حيث استطاع أن يقضي على اليهود ، بكلا دولتيهم : إسرائيل ويهوذا ، ويستأصل قسما كبيرا منهم ويسبي القسم الآخر إلى العراق . وبعد سقوط نبوخذنصر ، وسيطرة كورش ملك الفرس سمح لهم بالعودة وبناء هيكل جديد . فعاد الحال إلى ما كان عليه من انفصال الحكم عن النبوة ، ووجد فيهم عدة أنبياء مشهورين كاشعياء وأرمياء ودانيال وغيرهم ، ممن نسبت إليهم التوراة كلمات كثيرة وتاريخا مفصلا . ولكنهم لم يكونوا ليؤثروا في إرجاع الشعب والحكومات إلى جادة الحق والصواب . وكان هناك خط ثالث غير الملوك والأنبياء ، وهم الكهان المشرفون على الهياكل . وبالرغم من أن هذه الفكرة كانت حقا في أساسها باعتبار احتياج الهيكل إلى السادن أو المشرف على مصالحه والقيام بوظائفه الدينية . وقد عين موسى عليه السلام - كما تقول التوراة - أخاه هارون كاهنا في المعبد الذي أسسه ، ولم يكن يومئذ ذا بناء كبير ، وإنما كان عبارة عن خيمة كبيرة تسمى ( خيمة الاجتماع ) ، وبقيت سلسلة الكهانة في أولاد هارون .